الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

69

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

يودعه قلب من شاء من عباده ، فأول قلب أودعه قلب محمد - صلى اللّه عليه وسلم - لأنه أول خلق وصورته - صلى اللّه عليه وسلم - آخر صورة ظهرت من صور الأنبياء ، فهو أولهم وآخرهم . وقد جعل سبحانه وتعالى أخلاق القلوب للنفوس أعلاما على أسرار القلوب ، فمن تحقق قلبه بسر اللّه اتسعت أخلاقه لجميع خلق اللّه ، ولذلك جعل اللّه تعالى لمحمد - صلى اللّه عليه وسلم - جثمانية اختص بها من بين سائر العالمين ، فتكون علامات اختصاص جثمانيته آيات دالة على أحوال نفسه الشريفة وعظيم خلقه ، وتكون علامات عظيم أخلاقه آيات على سر قلبه المقدس . ولما كان قلبه - صلى اللّه عليه وسلم - أوسع قلب اطلع اللّه عليه - كما ورد في الخبر - كان هو الأولى أن يكون هو قلب العبد الذي يقول فيه اللّه تعالى : ما وسعني أرضى ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن « 1 » . ولما كان كماله قبل الإسراء بمنزلة سائر النبيين كان صدره يضيق ، فاتسع قلبه لما انشرح صدره ، ووضع عنه وزره ورفع له ذكره . وقد صح أن جبريل - عليه الصلاة والسلام - شقه واستخرج منه علقة فقال : هذا حظ الشيطان منك ، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ، ثم لأمه فأعاده في مكانه . قال أنس فلقد كنت أرى أثر المخيط في صدره « 2 » . رواه مسلم . وإنما خلقت هذه العلقة في ذاته الكريمة ثم استخرجت منه لأنها من جملة الأجزاء الإنسانية ، فخلقها تكملة للخلق الإنساني فلا بد منها ، ونزعها أمر رباني طرأ بعد ذلك ، قاله السبكي . وعند أحمد وصححه الحاكم : ثم استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين فقال أحدهما لصاحبه ائتني بماء وثلج فغسلا به جوفي ثم

--> ( 1 ) موضوع : ذكره الغزالي في « الإحياء » وقال الحافظ العراقي . لم أر له أصلا . ( 2 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 161 ) في الإيمان ، باب : الإسراء برسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ، من حديث أنس - رضى اللّه عنه - .